ليست الكارثة الكبرى هي التي تقع ثم تنقضي، ولا الهزيمة العظمى هي التي يُعرف مداها في يومها، ولا المصيبة الفادحة هي التي تحصرها الجغرافيا وتحدّها الخريطة. إنما الكارثة الكبرى هي التي تبدأ ولا يُدرى أين تنتهي، وتضرب في موضع فلا تلبث أن تضرب في مواضع، وتظهر كأنها حادثة يوم، فإذا هي باب من أبواب التاريخ، لا يُفتح إلا على ظلمات متعاقبة.
إنما الكارثة الكبرى هي التي تبدأ ولا يُدرى أين تنتهي، وتضرب في موضع فلا تلبث أن تضرب في مواضع.
ومن هذا الباب كان السابع من أكتوبر. فلا نكاد نجد في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ولا في تاريخه المعاصر، يومًا اجتمعت له من العواقب السوداء ما اجتمع لهذا اليوم.
وليس موضع العجب هنا أن ذلك اليوم كان فاجعًا في ذاته؛ فهذا مما لا يحتاج إلى بيان، ثم إن التاريخ حافلٌ بالفواجع. وإنما موضع العجب أنه لم يبقَ في ذاته، ولم يقف عند أهله، ولم يكتفِ بغزة مسرحًا ومآلًا. لقد ابتدأ في غزة، ثم جاوز غزة إلى لبنان، وجاوز لبنان إلى سوريا، وجاوز سوريا إلى إيران، وترك الضفة الغربية معلّقة على خطر لا يُعرف آخره. فهو، بهذا المعنى، لم يكن واقعةً فلسطينية إسرائيلية فحسب، بل كان مفتاحًا لتحوّل إقليمي واسع، وكسرًا لتأجيلٍ طويل كان الناس يرجونه تأجيلًا لا انفجارًا. وكان ذلك التأجيل هدوءًا يشبه الردع حينًا، ويشبه الوهم حينًا، حتى انكسر على غير انتظارٍ ولا حساب.
وقد يقال إن هزيمة عام 1967 كانت أدهى وأمرّ؛ وفي هذا القول وجه ظاهر لا يُنكر. فقد ذهبت في تلك الهزيمة الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة وسيناء والجولان، وانكشفت الجيوش، وانهارت دعاوى كبرى، وتبدّلت صورة الصراع العربي الإسرائيلي في أيام معدودات. وهذا إقرار له ظاهره الصحيح. ولكن ظاهر الأشياء لا يكفي في محاكمة التاريخ؛ ولا يستقيم النظر إذا وقف عند مقدار الأرض التي احتُلّت، أو عدد الجيوش التي هُزمت، أو وقع الصدمة في النفوس. فإن الكوارث لا تُقاس بساعتها، بل بما تفتحه بعدها من أبواب، وما تغلقه من آفاق، وما تخلّفه في السياسة والاجتماع والعمران والقدرة والمستقبل. فالعبرة إذن ليست بما أخذت الهزيمة في يومها، بل بما أنشأت بعد يومها: أتنشئ إرادةً جديدة، أم تقتل ما بقي من الإرادة؟ أتعقبها مراجعة وبناء، أم تعقبها سلسلة من الانهيار؟ أتغلق فصلًا مؤلمًا، أم تفتح فصولًا لا يُرى آخرها؟
ومن فضول القول أن حرب 1967 لم تنزل من السماء بغتة، ولم تكن حادثة مقطوعة عما سبقها. فمقدماتها ترجع إلى عام 1948، يوم قامت إسرائيل وبدأت معها حالة الحرب العربية الإسرائيلية في صورتها الأولى. ثم توالت الاشتباكات والاعتداءات، ووقع العدوان الثلاثي عام 1956، وبقيت مصر وإسرائيل في حال عداء مستمر، لا هو سلمٌ مستقر، ولا هو حربٌ منتهية. كانت المنطقة كلها تعيش على أعصاب مشدودة، وعلى ذاكرة جرح مفتوح، وعلى انتظار مواجهة مؤجلة لا يدري أحد متى تقع، ولكنه يدري أنها ممكنة في كل حين.
غير أن النار القديمة لا تستغني عن عودها. وكانت سيناء والمضائق والقوات الدولية عودَ 1967؛ لا أصل النار، بل ساعة اللهب. وبهذا الميزان يُنظر إلى السابع من أكتوبر: لم يأتِ من عدم، ولم يولد من ساعته؛ وراءه حصار طويل، وسياسة مسدودة، ومشروع وطني مأزوم، ويمين إسرائيلي يزداد غلوًّا، وقضية تُدار ولا تُحَل.
وكان السابع من أكتوبر شرارةً لم تخلق البارود، ولكنها فتحت له النار. لم يصنع المأساة من أصلها، ولكنه أطلقها من كُمونها، وجمع أسبابها في لحظة، فحوّلها من متراكمٍ في التحليل إلى جارٍ في الواقع؛ ثم فتح لإسرائيل بابًا نقلت منه الحرب من ردّ محدود إلى هجوم يتنقل بين الجبهات: غزة، فلبنان، فسوريا، فإيران؛ حتى صار الحدث الفلسطيني مدخلًا إلى إعادة ترتيب المشرق.
ومن هنا فالمقارنة ليست في المقدمات، بل في العواقب. كلاهما خرج من سياق طويل بشرارة قريبة؛ إلا أن 1967 أفضت إلى احتلال معروف الحدود، أما السابع من أكتوبر فأفضى إلى كارثة سائرة لا تقف عند أرض، ولا تستقر على حدّ.
ومن هنا ينبغي أن توزن الأمور بميزانها لا بعاطفتها. فقولُ إن السابع من أكتوبر جاء من فراغ جهلٌ بالتاريخ؛ وجعلُ مقدماته عفوًا عن عواقبه جهلٌ بالسياسة. والفعل السياسي لا يُحاكم بمظلوميته، ولا بنيته، ولا شعاره، بل بعاقبته: ما فتح وما أغلق، وما ربح وما خسر، وما أورث الناس من قوة أو عجز، ومن حياة أو خراب.
وقد كانت هزيمة 1967 فادحة، ولكنها لم تكن خاتمة الإرادة كلها. فقد أعقبتها إعادة بناء الجيوش، وتهيئة النفوس لجولة أخرى، ثم جاءت حرب 1973 لتكسر شيئًا من صورة الانكسار، وتعيد إلى السياسة بعض ما أخذته الحرب. خرجت مصر بعدها إلى طريق السلام، لا حبًا في إسرائيل ولا غفلةً عن الصراع، ولكن لأنها رأت أن القوة قد استُعملت في موضعها، وأن استعادة سيناء كاملة لا تكون بالشعار إذا كان التفاوض قادرًا على ردّ الأرض. وبقيت سوريا خارج ذلك الطريق، لا لأنها لم تفهم معنى السياسة، بل لأن الجولان لم يجد عند إسرائيل ما وجدته سيناء، ولأن دمشق كانت ترى الصراع في أفق أوسع من اتفاق ثنائي يستعيد أرضًا ويغلق ملفًا.
أما السابع من أكتوبر، فقد جاءت توابعه على صورة أخرى: لا هزيمة عسكرية تنتهي إلى خريطة احتلال جديدة فحسب، بل كارثة مفتوحة على العمران والإنسان والمجتمع والدولة والإقليم. فقد استدعى تدميرًا شبه شامل لقطاع غزة: أرضًا وبناءً واقتصادًا وذاكرة. لم تُهدم البيوت وحدها، بل هُدم العمر المتراكم في البيوت. ولم تُكسر الشوارع وحدها، بل كُسرت الصلات التي تجعل الشارع حيًا والحي مجتمعًا والمجتمع قادرًا على الاستمرار. ما جرى في غزة لم يكن خراب حجر على حجر، بل خراب حياة على حياة.
ما جرى في غزة لم يكن خراب حجر على حجر، بل خراب حياة على حياة.
فغزة لم تفقد مبانيها فقط، بل فقدت قدرة الناس على العيش في معنى العيش. انهارت البنية التحتية، وانمحى كثير من العمران، وتبددت المدخرات، وتوقفت الأعمال، وتحوّل البيت إلى ذكرى، والرزق إلى سؤال، والمستقبل إلى فراغ ثقيل. وصار الناس بين قتيل وجريح ومفقود ومهجّر، وبين خيمة لا تصون الكرامة، ونزوح لا يدري صاحبه أمرحلةٌ هو أم قدر، وانتظار لا يميّز بين الرجوع والموت البطيء. ولم تكتفِ الكارثة بقتل الناس؛ بل قتلت في كثير منهم معنى العودة: إلى البيت، وإلى الرزق، وإلى الطمأنينة، وإلى صورة الحياة الأولى. وليس هذا كلفةَ سياسة ولا ثمنَ استراتيجية، بل فقرٌ في الحساب، وقسوةٌ في العاقبة، وخسرانٌ لا يستر وجهه شعار.
ثم جاء لبنان. ولم يكن لبنان تفصيلًا في الهامش، ولا جبهة مساندة وحسب. كان موضع الذراع التي طالما عُدّت في ميزان إيران ذراع الردع الأولى. فحزب الله لم يكن حزبًا لبنانيًا في حساب إسرائيل، ولا قوة محلية في حساب المشرق، بل كان جبهة مؤجلة، وقوة عابرة للحدود، وخبرة قتالية، ورأس حربة في سوريا، وسندًا معنويًا وماديًا لمحور كامل. فلما أُخذ بضربات قاسية في قيادته وبنيته وهيبته، لم تكن الضربة له وحده، بل كانت ضربة للمعادلة التي جعلته أكبر من حزب وأخطر من جبهة حدودية.
ولا يلزم أن يزول الشيء ليخسر معناه القديم. فالقوة قد تبقى وتضعف، وقد تقوم وتتراجع، وقد تملك السلاح وتفقد الهيبة، وقد تقدر على الرد ولا تقدر على المبادرة. وهذا هو الفارق الذي يغفل عنه من لا يرى في السياسة إلا موتًا كاملًا أو حياة كاملة. لقد بقي حزب الله، ولكنه لم يبقَ كما كان؛ خرج من طورٍ إلى طور، ومن قدرةٍ إلى قدرة، ومن هيبةٍ إلى هيبة. كان قوة تفرض الحساب على غيرها، ثم صار قوة تحسب حساب جراحها. كان يتحرك في لبنان وسوريا، ثم صار مشدودًا إلى جبهته وجرحه. وهذه نقلة في ميزان الإقليم، لا يُهوّن منها إلا من يخلط بين الوجود والاقتدار.
ومن لبنان انكشفت سوريا. فالنظام الذي صمد منذ 2011 لم يكن صموده برهان قوة، بل برهان سند. لم يقم بنفسه قدر ما قام بغيره: إيران بمالها وسلاحها، وحزب الله برجاله وحضوره في الأرض، وروسيا بطيرانها وغطائها السياسي. بهذه الأعمدة امتنع السقوط حين دنا، وبها أعلن النظام نصرًا على بلد مكسور، وشعب مشرّد، ودولة منهكة.
فلما أُصيب حزب الله في رأسه وهيبته، وضاقت يد إيران في سوريا، وانصرفت روسيا إلى حربها الكبرى، انكشف المستور: جيش مرهق، ودولة منهكة، وسلطة تعيش بقوة غيرها بقدر ما تعيش بقوتها. وسرعة السقوط لم تخلق الضعف؛ إنما كشفت أن السند الذي كان يؤجله قد تراجع، وأن الضعف القديم يظهر جديدًا متى زال ستره.
ولا يلزم أن يزول الشيء ليخسر معناه القديم؛ فالقوة قد تبقى وتضعف، وقد تملك السلاح وتفقد الهيبة.
ولو كان حزب الله في حاله الأولى، بقيادته القديمة وهيبته وانتشاره، لما تُركت سوريا لمصيرها بهذه الخفة. ربما قاتل، وربما أخّر، وربما دفع إيران وروسيا إلى حساب آخر. ولكن الحزب لم يكن كما كان، وإيران لم تكن كما كانت، وروسيا لم تكن متفرغةً لسوريا كما كانت. فلم تسقط سوريا حادثةً منفصلة، بل حلقةً في سلسلة: غزة أُحرقت، فلبنان أُنهك، فسوريا انكشفت، فإيران وجدت نفسها أقرب إلى الضربة وأبعد عن أذرعها.
أما إيران فلم تُصب في موقع أو منشأة فحسب؛ أصيبت في الصورة التي بنتها لنفسها. أرادت أن تكون قوةً كبرى بأذرعها لا بحدودها، وأن تجعل العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن مجال ردع لا مجال ضعف. فإذا بذلك الامتداد ينقلب، ساعة الضغط، إلى مواضع انكشاف: غزة طرفٌ مكشوف، وحزب الله طرفٌ منهك، وسوريا جسرٌ مقطوع، وإيران في عمقها مركزٌ يستدعي أطرافه فلا يجدها. وتلك هي الخسارة المركبة: أن تُضرب الدولة في قوتها، وفي صورتها، وفي حلفائها، وأن ترى ما بنته في سنين يتراجع في شهور أو أيام.
وفي الجهة الأخرى خرجت إسرائيل من هذه السلسلة أقوى في ميزان القوة العاري. لا نقول ذلك تزكية لها، ولا تبرئة من الدم، ولا غفلة عن المجازر، ولا رضًا بالخراب. ولكن السياسة لا تُفهم إذا جعلنا الاشمئزاز الأخلاقي بديلًا من إدراك موازين القوة ورؤية آثارها. لقد خرجت إسرائيل أكثر جرأة، وأكثر قدرة على الانتقال بين الجبهات، وأكثر اطمئنانًا إلى أن خصومها لا يقاتلونها مجتمعين، بل يُضربون متفرقين. وهذا وحده مكسب استراتيجي لا يحتاج إلى مديح كي يكون واقعًا.
ومن هنا يكون السابع من أكتوبر، في عاقبته لا في لحظته وحدها، أخطر من أن يُختزل في وصف عملية أو ردّ أو حرب على غزة. إنه منعطف أتاح لإسرائيل أن تنتقل من جبهة إلى جبهة، وأن تضرب خصومها متفرقين، وأن تستفيد من ضعف كل طرف بعد إنهاك الطرف الذي قبله. بدأت بغزة، ثم لبنان، ثم سوريا، ثم إيران، وما يزال الطريق مفتوحًا على الضفة الغربية وعلى ترتيبات إقليمية لم تتضح صورتها النهائية. وقد لا تكون هذه النتائج نهائية، وقد تنقلب بعض آثارها في المستقبل، ولكن السياسة لا تنتظر النهايات المطلقة حتى تحكم على التحولات الكبرى. والنتيجةُ ماثلةٌ أمامنا، لا تذهب بنا إلى بعيد.
ولم تكن نتائج السابع من أكتوبر لتبلغ هذا المبلغ من السوء لو أن أعداء الدول والقوى المتضررة اجتمعوا في غرفة واحدة، وأطالوا الإعداد، وأحكموا التدبير، ورتبوا الخطوات، ثم أرادوا أن يصيبوا هذه القوى بما أصابها. فربما خططوا، وربما تآمروا، وربما أحسنوا ترتيب الضربات، ولكنهم ما كانوا ليظفروا بسلسلة من النتائج كما ظفر بها الواقع نفسه: غزة تُستباح، ولبنان يُنهك، وسوريا تنكشف، وإيران تُصاب في صورتها ومجالها، والضفة تُترك على حافة خطر مفتوح. وهذا هو شرّ العواقب: أن تأتي الفلتة بما لا يضمنه التخطيط، وأن تهدي الخصم من النتائج ما كان يعجز عن تحصيله لو طلبه عمدًا.
وهنا موضع المفارقة بين 1967 والسابع من أكتوبر: كانت 1967 هزيمةً ذات حدود؛ أرضٌ احتُلّت، ثم إرادةٌ استدركت، فحرب 1973، فتفاوضٌ أعاد سيناء. أما السابع من أكتوبر فلم يلد إلى الآن استدراكًا ولا توازنًا؛ بل كشف الفلسطيني والعربي، ومكّن الانفراد الإسرائيلي بالجبهات، وجاء في زمن دول منهكة، ومجتمعات ممزقة، ونظام عربي قليل الفعل، وقضية فلسطينية محاصرة بين الاحتلال والانقسام والحسابات الدولية والإقليمية.
والأخطر أن الأمر لم ينتهِ؛ فغزة بين الخيمة والركام، والضفة بين الاستيطان والضم وتقويض السلطة، ولبنان يحصي كلفة الردع المختل، وسوريا في مهب التحول، وإيران تراجع ما خسرته من قوة وصورة ومجال. والمنطقة كلها أمام سؤال لا يطمئن إليه عاقل: أبلغنا آخر الخطر، أم لم نقرأ من الصفحة إلا صدرها؟
لذلك، لا يصح أن يكون السابع من أكتوبر عندنا يوم حماسة، ولا يوم فاجعة فحسب، ولا يوم بطولة في عين قوم وخطيئة في عين قوم. إنما هو، قبل هذا كله وبعده، يوم عاقبة. والعاقبة هي أصدق أسماء السياسة. فمن لم يحسب العاقبة لم يحسب شيئًا، ومن لم يزن القوة لم يزن الحق نفسه، لأن الحق إذا عجز عن حماية أهله صار شكوى، وإذا استُعمل بلا حساب صار طريقًا إلى هلاك من يُراد نصرهم.
ومن هذه الزاوية وحدها يقال إن السابع من أكتوبر قد يكون أسوأ من هزيمة 1967: لا لأن هزيمة 1967 كانت هينة، ولا لأن احتلال الأرض كان قليلًا، ولا لأن الهزيمة العسكرية كانت عابرة؛ بل لأن 1967 كانت هزيمة كبرى ذات صورة معروفة، أما السابع من أكتوبر فهو كارثة سائرة، لا تزال تتحرك من موضع إلى موضع، ومن جبهة إلى جبهة، ومن خراب إلى خراب. وشرُّ الهزائم ما لا يُعرف آخره، وشرُّ الكوارث ما بدا واقعةً ثم انكشف أنه عهدٌ كامل.
العاقبة هي أصدق أسماء السياسة.
والسابع من أكتوبر، في ميزان السياسة لا في ضجيج الخطابة، لم يكن يومًا مضى، بل يومًا لا يزال يقع.