ليست آفة الإخوان المسلمين أنهم جماعة من الجماعات، ولا أنهم حزب من الأحزاب، ولا أنهم طائفة سياسية تطلب السلطان كما تطلبه الطوائف في كل أمة وكل عصر؛ فذلك شأن السياسة منذ عرف الناس الاجتماع والاختلاف والمغالبة. وإنما آفتهم أنهم لا يدخلون هذا الميدان دخول من يعلم أنه رأي بين آراء، ومذهب بين مذاهب، واجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، بل يدخلونه دخول من يحسب أن رأيه دين، وأن حزبه دعوة، وأن تنظيمه ضمير الأمة، وأن خصومته للناس امتحان في الإيمان والوطنية.
وهنا أصل الداء، ومنه تتشعب العلل كلها. فالجماعة التي تعرف أنها حزب تخطئ وتصيب، وتَغلب وتُغلب، وتَحكم وتُحاسَب. أما الجماعة التي تزعم لنفسها معنى الدعوة المقدسة، فإنها لا ترى خطأها خطأ، ولا فشلها فشلًا، ولا كذبها كذبًا، ولا غدرها غدرًا؛ لأن كل قبيح يصدر عنها يجد له اسمًا مزخرفًا في قاموسها، وكل رذيلة تقع فيها تجد لها سترًا من ألفاظها. فالكذب حكمة، والمراوغة سياسة، والاستحواذ تمكين، والإقصاء حماية، والتعصب ثبات، والطاعة العمياء تربية، وإسكات العقل حفظ للصف.
وليس الخطر في اللفظ إذا تغير وحده، بل في الضمير إذا تغير معه. فإن الأمة التي يفسد فيها معنى الكلمة يوشك أن يفسد فيها معنى العمل. فإذا سمي القبح حيلة، وسمي الخداع فقهًا، وسمي الظلم ضرورة، ضاع الميزان الذي يفرق بين الحق والمصلحة، وبين الواجب والمنفعة، وبين الدين وشهوة السلطان.
إن كل استبداد يبدأ من دعوى؛ والاستبداد الغليظ يقول للناس: أنا أقوى منكم، أما الاستبداد الخفي فيقول لهم: أنا أهدى منكم.
إن كل استبداد يبدأ من دعوى. والاستبداد الغليظ يقول للناس: أنا أقوى منكم. أما الاستبداد الخفي فيقول لهم: أنا أهدى منكم. والأول يستعبد الأجساد، والثاني يستعبد الضمائر. وهذا هو موضع الخطر في التنظيمات التي تلبس السياسة لبوس الدين؛ فإنها لا تكتفي بأن تنازعك الحكم، بل تنازعك المعنى. لا تريد صوتك وحده، بل تريد أن تعلّمك كيف تفهم دينك ووطنك وعدوك وصديقك. ولا تريد طاعتك في القانون وحده، بل تريد طاعتك في الوجدان.
ومن هنا تنشأ نرجسية الجماعة. فهي لا ترى نفسها جزءًا من الأمة، بل ترى الأمة مادة من مواد مشروعها. إن أقبل الناس عليها قالت: أقبل الحق. وإن أعرضوا عنها قالت: غُرّر بالناس. وإن ناقشوها قالت: حوربت الدعوة. وإن حاسبوها قالت: تآمر الخصوم. لا تعترف بالشعب إلا حين يصفق لها، ولا تثق بالعقل إلا حين ينتهي إلى رأيها، ولا تؤمن بالحرية إلا حين تفتح لها الباب. أما إذا أغلقت دونها بابًا، فهي جاهلية أو فتنة أو حرب على الدين.
وذلك هو احتكار الحقيقة، وهو شر ما تبتلى به جماعة في السياسة والدين. فليس أفسد للناس من قوم يزعمون أن الحق نزل في دفاترهم، وأن الحكمة أقامت في مجالسهم، وأن الأمة لا تهتدي إلا إذا مشت خلفهم. متى استقر هذا الوهم في الضمير التنظيمي، صار المخالف جاهلًا إن لم يكن خائنًا، ومضللًا إن لم يكن عميلًا، وعدوًا للدين إن لم يكن عدوًا للوطن. وهكذا ينتقل الخلاف من ساحة الرأي إلى ساحة الاتهام، ومن ميدان السياسة إلى ميدان التكفير المعنوي، وإن لم يصرحوا بلفظه.
والتكفير المعنوي أوسع من التكفير اللفظي وأخبث حيلة. فقد لا يقول الرجل لصاحبه: أنت كافر، ولكنه يعامله معاملة الخارج من حظيرة الاحترام. وقد لا يسلبه دينه بفتوى، ولكنه يسلبه حقه في الشرف والصدق والوطنية. وقد لا يطرده من الملة، ولكنه يطرده من الأمة في ميزان الجماعة. وهذه هي الفتنة العظمى؛ لأن الناس لا يقتتلون أول ما يقتتلون بالسيوف، بل يقتتلون أولًا بالأوصاف. فإذا فسد الوصف فسد الحكم، وإذا فسد الحكم فسد العمل.
ومن هنا كانت ثنائية “نحن وهم” أول الخراب وآخره. ليست كلمة عابرة في جدل السياسة، بل هي سكين معنوي يشق المجتمع شطرين: نحن أهل الدعوة وهم خصومها؛ نحن الشرفاء وهم العملاء؛ نحن المؤمنون بالمشروع وهم أعداؤه؛ نحن الأمة وهم الخارجون عليها. وما تزال هذه القسمة تعمل في النفوس حتى تحول الجار إلى متهم، والمخالف إلى عدو، والمواطن إلى عقبة. ومتى صار الإنسان عقبة في طريق مشروع مقدس، سهلت إزاحته من الضمير قبل أن تُطلب إزاحته من الواقع.
ولم تهلك الأمم لأنها اختلفت، فإن الاختلاف من سنة العقول. وإنما تهلك حين يزعم فريق منها أن اختلاف الآخرين معه خيانة، وأن بقاءهم خطر، وأن حقوقهم عطاء يمنحه المنتصر، وأن كرامتهم رهن بموقفهم من الجماعة. ذلك هو الهدم الحقيقي للأوطان؛ لا هدم الجدران وحدها، بل هدم الثقة التي تسكن بين الناس قبل أن تسكن بينهم الحجارة.
والإخوان يتقنون هذه الصناعة: صناعة اللفظين والمعنيين والوجهين. فهم دعاة حرية إذا حُرموا الحرية، ودعاة طاعة إذا ملكوا أسباب الأمر. وهم أنصار شورى إذا كانوا في ناحية الاعتراض، وأصحاب صف إذا صار الاعتراض عليهم. وهم مدنيون حين يخاطبون المتوجسين، ودينيون حين يخاطبون المريدين. وهم وطنيون حين يحتاجون إلى الدولة، وفوق وطنيين حين تناديهم عصبية التنظيم. وهم سلميون حين يثقل عليهم العنف، وثوريون حين تغريهم الفوضى. وليست هذه مرونة السياسة، بل ازدواج الضمير.
وما النفاق السياسي إلا أن تكون الكلمة عند صاحبها أداة لا عهدًا، وقناعًا لا وجهًا، وجسرًا إلى الغاية لا مرآة للحقيقة.
وما النفاق السياسي إلا أن تكون الكلمة عند صاحبها أداة لا عهدًا، وقناعًا لا وجهًا، وجسرًا إلى الغاية لا مرآة للحقيقة. ولو كان الأمر اختلاف تقدير لهان؛ فإن السياسي قد يخطئ ويصيب، ويقدم ويؤخر. ولكن المصيبة أن تكون المراوغة أصلًا لا عارضًا، وأن تكون الغاية هي الحاكمة على الصدق والكذب، لا أن يكون الصدق حاكمًا على الغاية والوسيلة.
وهنا تبرز قاعدة الخراب: الغاية تبتلع الوسيلة. فإذا جعل التنظيم نفسه حامل الرسالة جاز في سبيل الرسالة ما لا يجوز في سبيل غيرها. وإذا جعل بقاءه نصرة للدين، صار نقده حربًا على الدين. وإذا جعل وصوله إلى الحكم خلاصًا للأمة، صار كل ما يقربه من الحكم مباحًا أو قابلًا للتأويل. ومن هذا الباب يدخل الكذب باسم التورية، والتدليس باسم الحكمة، والطعن باسم النصيحة، والتحريض باسم الغيرة، والتسلط باسم الإصلاح، والتبعية باسم السمع والطاعة.
ولا يزال الإنسان الذي يعيش طويلًا في هذا الهواء يفقد حاسة النفور من القبح. فالقبيح عنده لا يبقى قبيحًا إذا صدر من جماعته، والجميل لا يبقى جميلًا إذا صدر من خصومها. يرى الظلم عدلًا حين ينفع الصف، ويرى العدل ظلمًا حين يقف في طريق الصف. وليس الفساد كل الفساد أن يخطئ المرء في فعل، بل أن يفسد الميزان الذي يعرف به الفعل.
والتنظيم المغلق لا يربي حرًا، بل يربي تابعًا. لا يقول له: فتش عن الحق، بل يقول له: اعرف موضع الجماعة. ولا يقول له: زن الناس بالعدل، بل يقول له: زنهم بموقفهم من الصف. ولا يقول له: خالفنا إذا بان لك الصواب، بل يقول له: اصبر حتى تفهم القيادة ما لا تفهم. فإذا نشأ العضو على هذا النحو صار ضميره مؤجرًا لا مالكًا، ومستعارًا لا أصيلًا.
وأي خير في رجل لا يكذب لأنه يرى الكذب قبيحًا، بل يكذب إذا أمره التنظيم أن يسمي الكذب مصلحة؟
وقد عرفت الأمم في تاريخها جماعات جعلت من العصبية دينًا، ومن الدين عصبية، فلم تربح دينًا ولم تحفظ وطنًا. فإن العصبية إذا لبست ثوب العقيدة كانت أشد بأسًا من عصبية الدم والنسب؛ لأن صاحبها لا يزعم أنه ينصر نفسه، بل يزعم أنه ينصر الحق. ومن زعم أن هواه هو الحق المطلق، فقد أعطى هواه سلطانًا لم يعطه الطغاة لسيوفهم. فالطاغية الظاهر يخاف الناس أن يسموه طاغية، أما الطاغية المتدين بسلطانه فيريد من الناس أن يسموا طغيانه عبادة.
والمظلومية عند هذه الجماعة باب آخر من أبواب الخلط. ولا ينكر منصف أن منهم من ظُلم وسُجن وقُتل، وأن الظلم لا يزول قبحه بسوء من وقع عليه. ولكن المظلومية ليست عصمة، ولا السجن برهان على صدق الفكرة، ولا الدم شهادة على نقاء المشروع. كم من مظلوم إذا ظفر ظلم، وكم من مقهور إذا تمكن قهر، وكم من ضحية حملت في داخلها صورة الجلاد الذي تشكو منه. ومن آفات الجماعات العقائدية أنها تريد من الناس أن يحاسبوا خصومها على ظلمهم لها، ولا يحاسبوها على ظلمها لغيرها.
وهذا قلب للعدالة لا يرضاه عقل ولا دين. فالميزان العادل لا يسأل: من الضحية؟ ثم يسكت. بل يسأل: ما الفعل؟ ومن فعله؟ وبأي حق؟ وفي أي حدود؟ فليس لأحد أن يحتكر صفة المظلوم حتى يعفي نفسه من واجب الصدق، ولا أن يجعل آلامه سورًا يحجب به خطاياه. إن الألم لا يطهر الكذب، والدم لا يبرئ الطمع، والسجن لا يحول التنظيم إلى ضمير معصوم.
ثم إن الجماعة التي تجعل الدين رأس مالها السياسي لا بد أن تفسد شيئًا من الدين وشيئًا من السياسة جميعًا. تفسد الدين لأنها تحوله من هداية للضمير إلى راية للصف.
وتفسد السياسة لأنها تحولها من تدبير مصالح الناس إلى معركة نجاة وهلاك. وما أهون الخلاف بين حزبين يتنازعان برنامجًا إذا قيس بالخلاف مع جماعة تجعل برنامجها امتحانًا للعقيدة. فالأول يطلب صوتك، أما الثاني فيطلب تأويل ضميرك.
الدولة تقوم على أن الإنسان صاحب حق قبل أن يكون صاحب رأي، وأن المواطن شريك قبل أن يكون مؤيدًا أو معارضًا.
ومن هنا تتولد الطائفية وإن أنكرتها الألسنة. ليس شرط الطائفية أن تعلن بغض المخالف صراحة، بل يكفي أن تجعله شبهة دائمة: شبهة في دينه، وشبهة في ولائه، وشبهة في مراده، وشبهة في صلته بالأمة. فإذا كان قبطيًا فهو ظهير للخصوم، وإذا كان علمانيًا فهو عدو للدين، وإذا كان مسلمًا مخالفًا فهو ملبّس أو مفرّط، وإذا كان محايدًا فهو متخاذل.
وهكذا لا يبقى في المجتمع مواطنون، بل درجات من القرب والبعد عن مركز الجماعة. والدولة لا تقوم على هذه الدرجات. الدولة تقوم على أن الإنسان صاحب حق قبل أن يكون صاحب رأي، وأن المواطن شريك قبل أن يكون مؤيدًا أو معارضًا، وأن الكرامة لا توزن بالولاء، وأن القانون لا يسأل عن البيعة الخفية في القلب. فإذا جاءت جماعة تجعل الناس مراتب في سلم الطاعة، فقد نقضت أصل الدولة وإن رفعت أعلامها، وهدمت معنى المواطنة وإن تكلمت باسمها.
وإذا وصل مثل هذا التنظيم إلى الحكم ظهر كامنه، وانكشف ما كان مستورًا في القول. فهو لا يحكم كما يحكم حزب جاء بتفويض مؤقت، بل يتصرف كأنه عاد إلى حق سليب. لا يرى الكرسي أمانة، بل يراه مرحلة في التمكين. ولا يرى المؤسسات ملكًا للأمة، بل يراها قلاعًا ينبغي فتحها. ولا يرى القانون حَكَمًا عليه وعلى خصومه، بل يراه حيلة من حيل الغلبة. وعندئذ تصبح الإدارة موضع ولاء، والقضاء موضع تطويع، والتعليم موضع صياغة، والمنابر موضع تعبئة، والجمعيات موضع نفوذ، والنقابات موضع رسوخ.
هذه ليست سياسة حكم، بل سياسة استيلاء. وليست إصلاح دولة، بل إحلال جماعة محل دولة. والدولة لا تبقى دولة إذا صارت غنيمة؛ لأنها إن كانت غنيمة اليوم لجماعة فهي غنيمة غدًا لجماعة أخرى. وإنما الدولة عقد بين الأحياء ومن سيأتي بعدهم، لا صندوقًا يفتحه المنتصر ويقسم ما فيه على أهل الصف. ومن حكم الدولة بهذه النفس فقد خان معناها وإن أقسم على دستورها، لأن الخيانة الكبرى ليست أن تكسر النص وحده، بل أن تنقض الروح التي من أجلها وُضع النص.
ولا يقف فساد الولاء عند حدود الداخل. فإن الجماعة التي لا ينتهي ولاؤها عند تخوم الوطن تحمل في ضميرها دولة أخرى غير منظورة: دولة الصف، والمرشد، والنداء العابر للحدود، والمصلحة التي لا يراها المواطنون ولا يحاسبونها. وليس العيب أن يتسع قلب الإنسان لقضايا أمته، فذلك من شرف العاطفة وسعة النظر. ولكن العيب أن يصغر الوطن في عين صاحبه حتى يغدو محطة في طريق التنظيم، وأن تصير الدولة التي يعيش فيها الناس مسرحًا لمشروع لا يملكون حسابه ولا يعرفون آخره.
ولذلك كان سؤال الولاء أصلًا من أصول المسألة. لمن تكون الطاعة إذا اختلف أمر الوطن وأمر الجماعة؟ ولمن تكون النصرة إذا تعارض قانون الدولة ونداء الصف؟ وأيهما أسبق في الضمير: رابطة المواطنة التي يعرفها الناس ويحاسبونها، أم رابطة التنظيم التي تعمل في الظل وتختص بالسر وتُعلي شأن الطاعة؟ لا يستقر وطن وفي جوفه جماعة تراه دونها، ولا تأمن دولة وفي داخلها ولاء ينازعها حقها في أن تكون مرجع الناس في شؤون الحكم والقانون.
على أن نقد هذا التنظيم لا يقتضي ظلم الأفراد ولا مصادرة النيات. فقد يكون في صفوفه صادق يطلب الحق فيخطئ طريقه، وبسيط يطلب الصحبة فيقع في الأسر، ومتحمس يطلب العدل فيسلم عقله لمن يتكلم باسمه. وقد يكون الفرد أرحم من جماعته، وأصدق من قيادته، وأنقى من مشروعه. ولكن الجماعات لا تُحاكم بما في صدور بعض أفرادها من النيات، بل بما في بنيتها من القواعد، وبما في خطابها من المعاني، وبما في عملها من الآثار. فالسكين لا تصير رحيمة لأن حاملها يبكي، والتنظيم لا يصير عادلًا لأن بعض أفراده طيبون.
إن المرض العميق في الإخوان ليس خطأ عابرًا ولا زلة لسان ولا سوء تقدير، بل هو استبدال شامل في ضمير الجماعة: استبدال الضمير بالولاء، والوطن بالجماعة، والدين بالمشروع، والمواطن بالتابع، والحقيقة بالمصلحة. فإذا تم هذا الاستبدال صار كل شيء بعده ميسورًا: الكذب ميسور، والغدر ميسور، والتحريض ميسور، والاستحواذ ميسور، وتمزيق المجتمع ميسور؛ لأن الميزان لم يعد ميزان الحق، بل ميزان الجماعة.
ولا علاج لهذا الخطر بالظلم؛ فإن الظلم يهب الباطل حجة، ويمنح التنظيم أسطورة، ويجعل الجلاد خادمًا للداعية وهو لا يشعر. ولا علاج له بالتساهل الغافل؛ فإن الغفلة تفتح للدعوى المغلقة أبواب الدولة، ثم تستيقظ الأمة وقد صار الواعظ حاكمًا، والحزب وصيًا، والتنظيم دولة داخل الدولة. العلاج أن يكشف الفكر بالفكر، وأن يحاسب الفعل بالقانون، وأن يصان الدين من تجار السياسة، وأن تصان الدولة من تجار القداسة، وأن يبقى المواطن مواطنًا لا تابعًا، وصاحب حق لا رقمًا في دفتر الولاء.
فالكلمة الفاصلة أن الإخوان لم يكونوا خطرًا لأنهم متدينون، بل لأنهم جعلوا التدين أداة تنظيمية.
فالكلمة الفاصلة أن الإخوان لم يكونوا خطرًا لأنهم متدينون، بل لأنهم جعلوا التدين أداة تنظيمية. ولم يكونوا خطرًا لأنهم طلبوا الحكم، بل لأنهم جعلوا الحكم تمكينًا لا أمانة.
ولم يكونوا خطرًا لأن لهم فكرة، بل لأنهم جعلوا فكرتهم فوق النقد، ومن جعل فكرته فوق النقد جعل الناس تحت الوصاية. وما من جماعة تحتكر الحق إلا بدأت بإسكات الضمير الحر، وإن لم ترفع عليه السيف. وما من مشروع يزعم أنه ينقذ الأمة وهو لا يرى الأمة إلا من خلال نفسه، إلا كان عبئًا على الأمة ولو رفع في وجهها ألف راية من رايات الخلاص.